الكيمياء

للماء «نقطة حرجة» مكتشفة حديثًا قد تساعد في تفسير خصائصه الغريبة

يمكن للماء فائق التبريد أن يوجد في شكلين سائلين مختلفين، يصبحان غير قابلين للتمييز في الظروف المناسبة


يمكن للماء فائق التبريد أن يوجد كسائل عالي الكثافة، تكون جزيئاته متراصة بشكل أوثق (في الأسفل في هذا الرسم التوضيحي)، أو كسائل أقل كثافة. ومن خلال فحص الماء فائق التبريد باستخدام أشعة الليزر، تمكّن العلماء من تحديد النقطة الحرجة — أي درجة الحرارة والضغط اللذين يندمج عندهما هذان الطوران ويصبحان طورًا واحدًا.

إحدى الخصائص الخفية للماء، التي ظلّت بعيدة عن الأنظار لفترة طويلة، ظهرت أخيرًا إلى السطح.

كشفت تجارب جديدة عن النقطة الحرجة للماء فائق التبريد — وهي قيمة محددة للضغط ودرجة الحرارة يتحول عندها طوران مختلفان من الماء إلى طور واحد. وتظهر هذه النقطة الحرجة عند نحو 210 كلفن (أي قرابة –63 درجة مئوية) وعند ضغط يعادل نحو ألف مرة الضغط الذي يمارسه الغلاف الجوي للأرض عند مستوى سطح البحر، وفقًا لما أفاد به الباحثون في عدد 26 مارس من مجلة Science. وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير بعض الخصائص غير المعتادة لهذا السائل واسع الانتشار وشديد الأهمية.

ومن المعروف بالفعل أن للماء نقطة حرجة أخرى عند درجات الحرارة المرتفعة. فعند نحو 374 درجة مئوية وضغط يعادل 218 ضعف الضغط الجوي، يختفي الفارق بين الطور السائل والطور الغازي. وبعد تجاوز هذه النقطة الحرجة، يصبح الماء ما يُعرف باسم المائع فوق الحرج (supercritical fluid).

وكان العلماء قد تنبؤوا منذ وقت طويل بوجود نقطة حرجة ثانية عند درجات حرارة منخفضة، في الماء فائق التبريد، أي الماء الذي يبقى مؤقتًا في الحالة السائلة رغم أن درجة حرارته أقل من نقطة تجمده المعتادة.

يقول عالم الفيزياء نيكولاس جيوفامباتيستا من كلية بروكلين في نيويورك، والذي لم يشارك في البحث:
«على مدى عشرين عامًا أو أكثر، كان كثير من الناس ينتظرون رؤية دليل مباشر على ذلك … قائم على التجارب. من المذهل أن ذلك حدث أخيرًا».

وقد دفعت بعض الخصائص الغريبة للماء العلماء إلى الاشتباه في وجود هذه النقطة الحرجة. فعلى سبيل المثال، تزداد كثافة معظم السوائل عند تبريدها. أما الماء، فتزداد كثافته عند تبريده حتى تصل درجة حرارته إلى نحو 4 درجات مئوية، حيث تبلغ كثافته أقصى قيمة لها. بعد ذلك، يحدث العكس: فكلما انخفضت درجة حرارة الماء أكثر، انخفضت كثافته. وتُظهر السعة الحرارية للماء — أي مقدار الطاقة اللازمة لرفع درجة حرارته بمقدار معين — سلوكًا انعكاسيًا مشابهًا.

واشتبه العلماء في أن هذه التغيرات المتعاكسة في الخصائص قد تكون علامة على وجود نقطة حرجة خفية عند درجة حرارة أكثر انخفاضًا. وفي عام 2020، قدّمت تجارب أدلة على أن الماء فائق التبريد يمكن أن يوجد في طورين سائلين مختلفين:
سائل عالي الكثافة، أو سائل منخفض الكثافة. وكان يُعتقد أن هذين الطورين يندمجان ويصبحان طورًا واحدًا عند النقطة الحرجة، لكن حتى الآن لم يكن هذا الاندماج قد رُصد مباشرةً.

إجراء التجارب عند درجات حرارة وضغوط قريبة من النقطة الحرجة المتوقعة أمر بالغ الصعوبة. وتُعرف هذه المنطقة باسم «أرض لا أحد» (no man’s land)، لأن الماء فائق التبريد يتجمد فيها بصورة شبه فورية. ولهذا لجأ عالم الفيزياء الكيميائية أندرس نيلسون من جامعة ستوكهولم وزملاؤه إلى تقنيات متطورة للغاية.

يقول نيلسون: «علينا أن نفعل كل شيء بسرعة شديدة».

بدأ الباحثون بعينات صغيرة جدًا من أنواع خاصة من الجليد تُسمى الجليد غير المتبلور أو اللابلوري (amorphous ice)، حيث تكون جزيئات الماء موزعة بصورة غير منتظمة، بدلًا من أن تكون مرتبة ضمن بنية بلورية منظمة.

وفي التجارب التي أُجريت في مختبر بوهانغ للمسرّعات في كوريا الجنوبية، وجّه الباحثون إلى كل عينة من الجليد نبضة قصيرة من ليزر الأشعة تحت الحمراء لإذابتها.

ثم، خلال فترة تراوحت من بضعة أجزاء من المليار من الثانية (نانوثوانٍ) إلى أجزاء من المليون من الثانية (ميكروثوانٍ)، فحصوا الماء الناتج باستخدام ليزر الأشعة السينية في المختبر. وكشفت النتائج عن بنية السائل وكثافته تحت ضغوط ودرجات حرارة مختلفة.وأظهرت اللقطات المتتابعة للسائل الذي ذاب للتو — والتي التُقطت بمرور الوقت أثناء تمدد الماء — كيف يتصرف الماء مع انخفاض الضغط داخل العينة.

عند درجات حرارة أقل من النقطة الحرجة، لوحظ انتقال طوري واضح من أحد الشكلين السائلين إلى الآخر عندما انخفض الضغط. أما عند درجات الحرارة الأعلى، فلم يُلاحظ مثل هذا الانتقال بين سائلين متميزين. وهذا يشير إلى أن الباحثين وصلوا إلى النقطة الحرجة، حيث يختفي التمييز بين الطورين السائلين ويصبحان طورًا واحدًا. ويقول عالم الفيزياء غريغ كيميل من مختبر شمال غرب المحيط الهادئ الوطني في ريتشلاند بولاية واشنطن إن نتائج الباحثين مثيرة للإعجاب.

ويضيف: «البيانات التي يقدمونها تُظهر صورة واضحة إلى حد كبير»، وهي تتوافق مع فرضية وجود النقطة الحرجة. لكنه يشير إلى أن الدراسة تفترض أن السائل وصل إلى حالة اتزان، أي أن عمليات انتقال المادة والطاقة داخله قد استقرت. وبما أن القياسات أُجريت خلال فترات زمنية قصيرة للغاية، فمن غير الواضح تمامًا ما إذا كان هذا الاتزان قد تحقق بالفعل.

أما جيوفامباتيستا، الذي أمضى مسيرته المهنية في إجراء عمليات محاكاة حاسوبية للماء ولهذه النقطة الحرجة، فإن مجرد رؤية هذه الظاهرة في العالم الحقيقي تمنحه شعورًا بالارتياح.

ويقول:«إنه نوع من السلام الداخلي».

المصدر:

النشرة البريدية

الرجاء تعبئة التفاصيل ادناه لتلقي نشرتنا البريدية