الكيمياء

طريقة جديدة قد تكشف أنواعًا من الفنتانيل لم يسبق أن جرى توثيقها


استخدم الباحثون التعلّم الآلي للمساعدة في التنبؤ بالبصمات الكيميائية لأكثر من مليار شكل محتمل من الفنتانيل، بما في ذلك أنواع لم يسبق رصدها من قبل.


تعتقد السلطات أن هذه العبوات الشريطية تحتوي على فنتانيل غير مشروع. ويمكن لمهرّبي المخدرات التحايل على القانون من خلال تصنيع أنواع جديدة لم توثّقها السلطات بعد. وقد تساعد مكتبة مرجعية جديدة، لا تعتمد على القياسات المأخوذة من جزيئات معروفة، أجهزة إنفاذ القانون على إنهاء لعبة القط والفأر هذه.
تنجح المختبرات غير المشروعة، وببراعة إجرامية، في تصنيع أشكال جديدة من المخدرات الخطرة تستطيع الإفلات من وسائل الكشف. إلا أن طريقة جديدة قد تتمكن من رصد أنواع مختلفة من عقار الفنتانيل الأفيوني شديد الفعالية حتى قبل أن تقوم السلطات بتوثيقها.
ويفيد الباحثون، في تقرير نُشر في 27 أبريل على موقع bioRxiv.org، بأن قياس خصائص حبة دوائية مشبوهة ومقارنتها بقيم مرجعية مولَّدة بالحاسوب يمكن أن يكشف البصمات الكيميائية لأنواع من الفنتانيل لم يسبق رصدها. وعلى الرغم من أن هذا النظام ليس جاهزًا بعد للاستخدام من قِبل جهات إنفاذ القانون، فإن القدرة على البحث فيما يتجاوز الجزيئات المسجَّلة رسميًا قد تساعد هذه الجهات يومًا ما على البقاء متقدمة بخطوة على مهرّبي المواد الأفيونية.
يُستخدم الفنتانيل في التخدير وعلاج الألم، وتصل قوته إلى ما يقارب 100 ضعف قوة المورفين، وهو أحد أقاربه من المواد الأفيونية. ويمكن لجرعة لا تتجاوز مليغرامين فقط — وهي كمية يمكن أن تستقر على رأس قلم رصاص — أن تكون قاتلة. وفي الولايات المتحدة وحدها، سُجِّلت أكثر من 72 ألف وفاة بسبب الجرعات الزائدة في عام 2023.
لا يحتوي الفنتانيل على مكوّنات طبيعية، ويمكن للمختبرات السرية إجراء تعديلات طفيفة على بنيته الكيميائية بما يكفي لتفادي الكشف عنه، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بتأثيره الشبيه بالهيروين. وقد جعل ذلك من المربح خلط الحبوب الدوائية بمادة شديدة القوة قد لا يعرف الكثير من المستخدمين أنهم يتناولونها أصلًا.
حتى الآن، تتمثل الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها الخبراء التأكد مما إذا كانت إحدى الحبوب تحتوي على نوع من الفنتانيل في مقارنتها بمكتبة مرجعية أُنشئت من خلال تحليل مركبات كيميائية نقية في المختبر. لكن الحسابات تشير إلى وجود مليارات الأشكال المحتملة للفنتانيل، في حين لا يعرف الخبراء سوى نحو 60 ألفًا منها. ولذلك، تعجز مختبرات الطب الشرعي وعلم السموم عن مواكبة هذا الكم الهائل.
يقول عالم الكيمياء الحيوية ديفيد ويشارت، من جامعة ألبرتا في مدينة إدمونتون الكندية، والذي لم يشارك في الدراسة: «لقد أصبحت المسألة أشبه بلعبة ضرب الخلد؛ فما إن تكتشف نوعًا حتى يظهر آخر.»
ويقول توم ميتز، المتخصص في الكيمياء التحليلية الحيوية: «لن توصلنا الأشكال النقية وحدها إلى حيث نحتاج أن نكون.»
وقد سعى ميتز، من مختبر شمال غرب المحيط الهادئ الوطني في ريتشلاند بولاية واشنطن، وزملاؤه إلى الاستغناء عن الحاجة إلى المكتبات المرجعية التقليدية. وفي عمل سابق، استخدم الباحثون جهازين جرى تعديلهما خصيصًا لتحديد الخصائص الكيميائية المشتركة بين مركبات الفنتانيل، وللتمييز بينها وبين العديد من الجزيئات غير المرتبطة بها التي تشترك مع الفنتانيل في الكتلة الجزيئية نفسها.
تشترك جميع مركبات الفنتانيل في بنية كيميائية أساسية واحدة، لكن المختبرات تستطيع تغيير المجموعات الكيميائية المحيطة بهذه النواة.
ويشبّه ميتز الأمر بشجرة عيد الميلاد، قائلًا: «إنها مثل شجرة عيد الميلاد؛ فهي غالبًا شجرة صنوبر من نوع ما، لكن كل أسرة تزيّنها بطريقة مختلفة.»
وتوفّر الأجهزة المستخدمة دلائل حول العناصر الدقيقة التي تكوّن الجزيئات، وكيفية ترتيبها البنيوي، والشكل الذي تتخذه أثناء عملية التحليل.
وبعد أن أصبح الباحثون يعرفون أي القياسات يمكنها إعطاء توصيف شامل للفنتانيل، عمدوا في الدراسة الجديدة إلى إنشاء قاعدة بيانات تضم أنواعًا افتراضية منه.
بدأوا بتفكيك كل واحد من نحو 60 ألف جزيء معروف من الفنتانيل والجزيئات الشبيهة بالفنتانيل إلى عدة أجزاء مختلفة باستخدام الحاسوب، ثم أعادوا تركيب هذه الأجزاء بطرق متنوعة لإنشاء عدة مليارات من الجزيئات المحتملة.
بعد ذلك، استبعدوا من قاعدة البيانات الرقمية الجزيئات غير المنطقية أو غير المعقولة من الناحية الكيميائية، مثل الجزيئات التي يُستبعد أن تتمكن من عبور الحاجز الواقي للدماغ.
وأخيرًا، استعان الباحثون بالتعلّم الآلي للتنبؤ بالشكل الذي ستبدو عليه القياسات الكيميائية الفعلية لهذه التراكيب الافتراضية إذا وُجدت في العالم الحقيقي.
ثم جمعوا هذه البيانات مع بيانات نحو 60 ألف بنية كيميائية معروفة، لينشئوا في النهاية مكتبة رقمية تحتوي على أكثر من مليار نظير أو شكل مشابه للفنتانيل.
لم يتمكن الباحثون من اختبار مخدرات حقيقية مأخوذة من الشارع، لذلك صنعوا بدلًا من ذلك حبة فنتانيل تجريبية تحاكي الحبوب غير المشروعة.
احتوت هذه الحبة على كميات ضئيلة من 12 نوعًا من الفنتانيل متاحًا تجاريًا، بالإضافة إلى مادة تمويه غير أفيونية تشبه الفنتانيل كيميائيًا، وخلطت كذلك بمواد شائعة الاستخدام في تصنيع الحبوب غير المشروعة، مثل الكافيين.
أجرى الباحثون القياسات اللازمة لتحديد الخصائص الكيميائية، ثم أعطوا البيانات الخام والمكتبة المولَّدة بالحاسوب إلى كيميائي تحليلي آخر لم يسبق له الاطلاع على محتويات الحبة التجريبية.
وكان السؤال الذي وُجّه إليه:
«نشتبه في وجود فنتانيل في هذه العينة. هل يمكنك أن تخبرنا أي نظائر منه، إن وُجدت، موجودة فيها؟»
وكانت الإجابة «نعم» وبشكل واضح.
فبعد عدة جولات من تضييق قائمة الاحتمالات الممكنة، تمكّن الكيميائي، الذي لم يكن على علم مسبق بتركيبة الحبة، من تحديد ستة من مكونات الفنتانيل الموجودة في الحبة التجريبية بدقة تامة. كما تمكّن من تضييق هوية أربعة مكونات أخرى إلى عدد قليل من المركبات المحتملة لكل منها، وكل ذلك من دون الحاجة إلى مكتبة مرجعية تحتوي على مركبات نقية.
أما المركبان المتبقيان، فإما أنهما كانا يفتقران إلى البصمات المستخدمة في عملية الكشف، أو لم يكن من الممكن التمييز بينهما بشكل كامل.
ولم تخضع هذه النتائج بعد لمراجعة الأقران.
يقول الكيميائي إيه. واي. فاونتن الثالث، من جامعة ساوث كارولاينا في مدينة كولومبيا، والذي لم يشارك في الدراسة، إن هذا النهج يمثل «خطوة أولى هائلة».
لكنه يشير إلى أن الطريقة تعتمد على أجهزة معدَّلة خصيصًا وغير متوافرة في معظم مختبرات الطب الشرعي أو مختبرات الأمن القومي.
ويضيف فاونتن أنه ينبغي أيضًا اختبار هذه التقنية على فئات أخرى من المخدرات أو الجزيئات لتحديد الجوانب التي تحتاج إلى تحسين.
وهذه الاختبارات قيد التنفيذ بالفعل.
فمن بين عدة فئات من الجزيئات التي يدرسها ميتز وزملاؤه، نجح الباحثون أيضًا في تحديد خصائص مشتركة لعائلة جديدة من المواد الأفيونية المصنَّعة مخبريًا تُعرف باسم «النيتازينات» (Nitazenes)، والتي أصبحت تظهر بصورة متزايدة في حالات الجرعات الزائدة.
ويرى ويشارت أن هذا العمل سيساعد على تحديث الأساليب التي يستخدمها مجتمع الطب الشرعي في التعرف إلى المركبات المجهولة.
ويقول إن الاعتماد على مكتبة مرجعية من المركبات النقية «لا يزال يعكس طريقة تفكير تعود إلى القرن التاسع عشر».
ويتفق معه عالم الأدوية الجزيئي غاري ميلر، من جامعة كولومبيا، والذي لم يشارك بدوره في البحث.
ويقول: «إن القدرة على التعرف إلى المركبات من دون الحاجة إلى مرجع قد تكون ثورية من الناحية العلمية.»
ويضيف: «تُظهر هذه البيانات أن هذا النهج يمكن أن ينجح بالفعل.»

المصدر:

 

النشرة البريدية

الرجاء تعبئة التفاصيل ادناه لتلقي نشرتنا البريدية